الجلوس في الفراغ: ظاهرة "رو دوغينغ" الجوية

أضيف بتاريخ 06/11/2026
منصة المَقالاتيّ

فجأة بات الجلوس بلا حراك، وبلا هاتف أو كتاب أو حتى كوب ماء، ضرباً من ضروب الفخر الرقمي. هذه باختصار ظاهرة "رو دوغينغ" التي اجتاحت منصة تيك توك منذ ربيع عام 2024، حين رصدت محركات البحث ارتفاعاً حاداً في عمليات البحث عن المصطلح خلال الفترة الممتدة بين أبريل ومايو من ذلك العام. المبدأ في غاية البساطة: يصعد الراكب على متن الطائرة، ويجلس طوال الرحلة دون أن يفعل شيئاً على الإطلاق، من الإقلاع حتى الهبوط، دون موسيقى ولا أفلام ولا كتب ولا نوم. والأكثر تطرفاً من المتحمسين يضيفون إلى قائمة الممنوعات الأكل والشرب، بل وزيارة الحمام.



اللافت في أصل المصطلح أنه مستعار من قاموس يثير الاستغراب، إذ كان يشير في العامية الإنجليزية إلى ممارسة جنسية دون حماية، قبل أن يتحول على يد مستخدمي تيك توك إلى مفهوم مجازي للإقدام على أمر ما دون أي استعداد أو وسائل. ويرى بعض الباحثين في الثقافة الرقمية أن إعادة توظيف هذا المصطلح تحديداً تعكس نبرة الاستعراض الذكوري التي تُلوّن هذه الظاهرة منذ بدايتها. فالغالبية العظمى من المشاركين في التحدي شبان، كثيرون منهم يقدمون الأمر باعتباره برهاناً على القوة الذهنية وضبط النفس في عالم طغت عليه الإشباعات الفورية.

تجدر الإشارة إلى أن التحدي وجد أرضاً خصبة في ثقافة "الرجل الصلب" المتداولة على تيك توك، وهي ثقافة تمجّد التحمل وتسخر من الراحة التي توفرها التكنولوجيا. حتى إن لاعب كرة القدم الشهير إيرلينغ هالاند أعلن عبر منصاته أنه أمضى رحلة مدتها سبع ساعات دون هاتف ولا نوم ولا طعام ولا ماء، ووصف التجربة بأنها "سهلة"، وهو ما قوبل بموجة من التعليقات المتشككة والساخرة. كما يُحسب لهذه الظاهرة أن أحد أوائل من أشعلوا شرارتها، وهو المنتج الموسيقي الأسترالي تورين فوت، اختزل تجربة رحلة مدتها خمس عشرة ساعة في عبارة: "لا موسيقى، لا أفلام، فقط خريطة الرحلة".

غير أن ما يُقدَّم على أنه تجربة تأملية يصطدم بجدار صلب من التحفظات الطبية. المتخصصون في الطب يرفضون التطرف الذي يصل إلى حد الامتناع عن السوائل والحركة، لما يُفضي إليه من مخاطر مُثبتة علمياً. فكابينات الطائرات تتميز بمعدل رطوبة منخفض جداً، مما يُسرّع فقدان الجسم لسوائله، ويجعل الجفاف خطراً حقيقياً لا افتراضياً. فضلاً عن ذلك، تُعدّ الرحلات الطويلة بيئة مهيأة لتجلط الدم في أوردة الساقين، وهي حالة تُعرف بالتخثر الوريدي العميق، تتضاعف احتمالاتها حين يضاف إليها الجفاف وطول الجلوس دون أي حركة. وقد حذّر عدد من الأطباء، من بينهم الدكتورة جيل جنكينز، من أن الإمتناع التام عن الحركة مع الجفاف يُهيئ الأرضية لانسداد وريدي قد يتطور إلى انصمام رئوي في الحالات الشديدة.

في المقابل، ثمة وجه آخر لهذه الظاهرة لا يمكن إغفاله. فالجانب المتعلق بالتخلي عن الشاشات فحسب، دون الوصول إلى حد الإضرار بالصحة، يجد سنداً في أدبيات علم النفس المتعلقة بفوائد الملل المُدار. الباحثة ساندي مان، المتخصصة في دراسة الملل والمؤلفة لكتاب علم الملل، تُقرّ بأن ترك العقل يسبح في فضاء بلا محتوى قد يُعزز الإبداع ويُعيد شحن الطاقة الذهنية. إلا أنها تُقيد ذلك بشرط المعقولية، مشيرة إلى أن سبع ساعات من التحديق في الفراغ تتجاوز حدود ما هو مفيد. عالم الأعصاب مارك ويليامز يذهب إلى أن بيئة الطائرة مليئة بالمحفزات الحسية من ضوضاء محركات وبكاء أطفال وحركة مستمرة، مما يعني أن الدماغ لا يكون في حالة راحة حقيقية خلال "رو دوغينغ"، بل ربما يكون في حالة توتر صامت.

ما تكشفه هذه الظاهرة في مستواها العميق يتجاوز مسألة قضاء وقت الفراغ في الطائرة. إنها مرآة لأزمة العلاقة مع الشاشات والتحفيز المستمر في عصر الدوبامين الرقمي، حيث بات "لا شيء" تحدياً يستحق البث المباشر. والمفارقة الصارخة أن المشاركين يسحبون هواتفهم لتوثيق فعل تخليهم عن الهواتف، مما يُبطل الادعاء الأصلي بالانفصال عن الشاشات. في نهاية المطاف، ما بين الانفصال الحقيقي الصحي والاستعراض الرقمي المقنّع بالتأمل، مسافة أوسع من أي رحلة طويلة.